المغرب
العودة   الملتقى العربي المنتدى الإسلامي منتدى السيره النبويه العطره

مع الرسول صلى الله عليه و سلم و خديجه رضي الله عنها في عام الحزن

مع الرسول صلى الله عليه و سلم في عام الحزن>> >> وفاة أبي طالب>> ألح المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

محمد الرقيه


رقم العضوية : 25937
الإنتساب : Dec 2011
المشاركات : 280
بمعدل : 0.28 يوميا
النقاط : 3
المستوى : محمد الرقيه is on a distinguished road

محمد الرقيه غير متواجد حالياً عرض البوم صور محمد الرقيه



  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : منتدى السيره النبويه العطره
افتراضي مع الرسول صلى الله عليه و سلم و خديجه رضي الله عنها في عام الحزن
قديم بتاريخ : 09-19-2013 الساعة : 12:19 AM

مع الرسول صلى الله عليه و سلم في عام الحزن>>



>>


وفاة أبي طالب>>




ألح المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن وافته المنية، وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر‏.‏ وقيل‏:‏ توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاثة أيام‏.‏



وفي الصحيح عن المسيب‏:‏ أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال‏:‏ ‏(‏أي عم، قل‏:‏ لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله)‏ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية‏:‏ يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب‏؟‏ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به‏:‏ على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لأستغفرن لك ما لم أنه عنـه‏)‏، فـنزلت‏:‏‏{‏ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏113‏]‏ ونزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏‏.‏




ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة والمنع، فقد كان الحصن الذي احتمت به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء، ولكنه بقى على ملة الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح‏.‏




ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، قال للنبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏هو في ضَحْضَاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار‏)




وعن أبي سعيد الخدرى أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ـ وذكر عنده عمه ـ فقال‏:‏ ‏(‏لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه‏)‏>>





خديجة إلى رحمة الله



وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة أيام ـ على اختلاف القولين ـ توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة على أشهر الأقوال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره‏.‏




إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر،وتواسيه بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏آمنت بى حين كفر بى الناس، وصدقتنى حين كذبني الناس، وأشركتنى في مالها حين حرمنى الناس، ورزقنى الله ولدها وحرم ولد غيرها‏)




وفي الصحيح عن أبي هريرة قال‏:‏ أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال‏:‏ يا رسول الله ، هـذه خديجة قـد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقـرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ‏.‏>>









تراكم الأحزان



وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه‏.‏ فإنهم تجرأوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غمًا على غم، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجـاء أن يستجيبوا لدعوتـه، أو يؤووه وينصـروه على قومــه، فلم يـر مـن يؤوى ولم يـر ناصرًا، بل آذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومـه‏.‏




وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم اشتدت على أصحابه حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتى بلغ بَرْك الغِمَاد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدُّغُنَّة في جواره‏.‏




قال ابن إسحاق‏:‏ لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا، ودخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها‏:‏ ‏(‏لا تبكى يابنية، فإن الله مانع أباك‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ويقول بين ذلك‏:‏ ‏(‏ما نالت منى قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب‏)‏‏.‏




ولأجل توالى مثل هذه الآلام في هذا العام سمى بعام الحزن، وعرف به في السيرة والتاريخ‏.‏>>







السيرة - سيرة الصحابيات الجليلات - أمهات المؤمنين

- سيرة السيدة خديجة بنت خويلد - الدرس 7-8 : عام الحزن

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-07>>



بسم الله الرحمن الرحيم >>

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .>>
أيها الأخوة الكرام مع الدرس السابع من سير الصحابيات الجليلات ، ومع السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها زوجة رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأولى زمناً ومرتبةً .


عام الحزن
:>>
في الدرس الماضي بينت لكم الأعوام الثلاثة الشديدة التي أتت على المسلمين ، أعوام المقاطعة ، والحصار الاقتصادي ، وكيف ذاق المسلمون ، وعلى رأسهم رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأهل بيته الطيبين ، كيف ذاقوا ألوان الحرمان والجوع والمقاطعة ، وبعد انتهاء أعوام المقاطعة ، جاء عام الحزن .>>
قبل أن نشرح عن عام الحزن ، إذا كان سيد الخلق ، وحبيب الحق ، إذا كان سيد ولد آدم ، إذا كان صفوة الله من خلقه ، إذا كان خيرة عباد الله ابتلاه الله بالحزن ، فلأن نحزن نحن شيء طبيعي جداً، هذه الدنيا مركبة هكذا ، هي دار ابتلاء ، دار امتحان ، دار أحزان ، دار أتراح ، وليست دار أفراح، لأنه من عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى .>>
في هذا العام توفي أبو طالب عم النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان أكبر مدافع عنه من الخارج ، وتوفيت السيدة خديجة أكبر داعم له من الداخل ، فانهار الدعم الداخلي ، وانهار الدعم الخارجي ، لذلك سمَّى كُتَّاب السيرة هذا العام الذي توفي فيه أبو طالب عم النبي أكبر داعم له من الخارج ، والذي توفيت فيه السيدة خديجة زوجه الحبيبة إلى قلبه أكبر داعم له من الداخل ، سمى علماء السيرة ، وكتاب السيرة هذا العام الذي مر به النبي عام الحزن .>>
شيء آخر : إن كان لك قريب تحبه حباً جماً ، ووافته المنية ، ويغلب على ظنك أنه إلى الجنة ، تحزن ، ولكن الذي يخفف من هذا الحزن أنه من أهل الجنة ، أنه انتقل من دار البلاء إلى دار البقاء، من دار الامتحان إلى دار الاستقرار ، من دار التكليف إلى دار التشريف ، من دار المتاعب إلى دار المسرات ، مما يخفف الحزن على أهل المتوفى أن يكون المتوفى من أهل الجنة ، مؤمناً .
إلا أن الذي ضاعف حزن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عمه أبا طالب مات كافراً ، هذا الذي دعمه أشد الدعم ، طلب إليه أن يلفظ بشفتيه لا إله إلا الله ، فلم يقل ، وكم تمنى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمه الهداية ، وألح عليه ، وهو في سياق الموت لكي يسلم ويقول لا إله إلا الله . >>


(( لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَالِبٍ : يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ : "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ... الآيَة َ))>>



[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]>>


أخطر شيء في حياة المسلم العقيدة الصحيحة
:>>
أيها الأخوة ، لي وقفة دقيقة جداً عند هذا الموقف ، قال عليه الصلاة والسلام : >>


((أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ))>>



[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]>>

فنزل قوله تعالى : >>


﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(113)﴾>>



( سورة التوبة )>>

ماذا نستنبط من هذه الحادثة ؟ عم النبي ، أقرب الناس إليه ، أكبر من دافع عنه ، الذي وقف أمامه كالطود ، الذي تحمل المشاق من أجله لكن تحملها عصبية ، ولم يتحملها اعتقاداً ، تحملها حميةً ، ولم يتحملها عبادةً ، تحملها انحيازاً ، و لم يتحملها طاعةً لله عز وجل ماذا نستنبط إذاً ؟ كم هي العقيدة خطيرة عند الإنسان ، لا يمكن أن تقدم للنبي عليه الصلاة والسلام عملاً أعظم مما قدمه عمه أبو طالب ، ومع ذلك مات كافراً : >>


﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم ﴾>>



( سورة التوبة )>>

إذاً أخطر شيء في حياة المسلم العقيدة الصحيحة ، اعتقد عقيدةً صحيحة ، وكل شيء بعدها يحل أما إن لم تعتقد عقيدة صحيحة ، لو قدمت للنبي كما قدم أبو طالب لا تنجو .>>

الرسول صلى الله عليه وسلم فقد الدعم الخارجي بموت أبي طالب :
>>
أخوة الإيمان ، حقيقة خطيرة أضعها بين أيديكم ، إن أحداث السيرة من الخطورة حيث إن كل شيء في السيرة له دلالة عظيمة ، ويمكن أن نستنبط منه حقائق كبيرة ، فمن زاغت عقيدته لو كان أقرب الناس إلى نبي ، لو كان أقرب الناس إلى أكبر عالم ، إلى أكبر داعية ، لو كان يلوذ بأقرب الناس إليه .>>
كان رئيس المنافقين يجلس على يسار النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما توفي طلب قميصه ، وتروي كتب السيرة أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألبسه قميصه بيده ، فلما وافته المنية قال : الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي به سبعين خريفاً ، لا تنفعك قرابتك ، ولا ينفعك عملك ، ولا ينفعك شيء إلا أن تكون صحيح العقيدة بالله ، صحيح العمل وفق مقتضى هذه العقيدة وأنزل الله قوله : >>


﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)﴾>>



( سورة التوبة )>>

ونزل في أبي طالب : >>


﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾>>



( سورة القصص )>>

وقال : >>


﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (272)﴾>>



(سورة البقرة )>>




﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾>>



( سورة الغاشية )>>

أي أنهم مخيرون ، النبي يدعوهم إلى الحق ، أما هم يستجيبون أو لا يستجيبون ، ويدل قوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : >>


((أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ))>>



[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]>>

يدل هذا على أن شدة الحزن الذي أصاب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاً بسبب موت عمه أبي طالب على الكفر ، وحزن أيضاً على موت أبي طالب لأنه فقد نصرته ، ووقوفه في وجوه المشركين ، فقد الدعم الخارجي ، ومن وفائه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذا الذي دعمه مات كافراً ، فكان حزنه عليه شديداً .>>
> >

الرسول الكريم فقد السند الداخلي بموت السيدة خديجة رضي الله عنها
:>>
قال ابن هشام ، أحد كتاب السيرة : كان أبو طالب للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عضداً وحرزاً في أمره ، ومنعةً ، وناصراً على قومه ، وذلك قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنوات ، فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأذى ما لم تكن تطمع في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه التراب وقال عليه الصلاة والسلام : ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب ، ومع ذلك مات على الكفر .>>
أيها الأخوة ، قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قَالَ : >>


(( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً))>>



[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]>>

هذه أكبر حقيقة ، تحر العقيدة الصحيحة ، التي إذا مت عليها قبلها الله منك وكان مصيرك الجنة .
الشيء الذي يقصم الظهر أن هذا الذي كان يدعمه خارج البيت مات ، ففقد هذا الدعم ، ومات كافراً، فتضاعف حزن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أما حينما توفيت السيدة خديجة فقد الدعم الخارجي ، والسند الداخلي ، طبعاً السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها وأرضاها واست رسول الله ، وحاولت أن تخفف من حزنه على عمه أبي طالب ، كما هو حالها وشأنها دائماً في كل ما يعرض له النبي الكريم ، و لكن مواساتها انقطعت بوفاتها هي أيضاً رَضِي اللَّه عَنْها ، إذ وافاها أجلها في بعض الروايات بعد موت أبي طالب بزمن قصير ، وقال بعض كتاب السيرة : بثلاثة أيام ، فحُقَّ لكُتَّاب السيرة أن يسموا هذا العام الذي مر به النبي عامَ الحزن ، بين موت عمه أبي طالب ، وموت زوجته السيدة خديجة ثلاثة أيام .>>

تتابع الأحزان على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفاة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها :
>>
سؤال يهمنا كثيراً : هل يتناقض الألم الشديد على مصاب أليم أصاب المؤمن ، هل يتناقض هذا الألم الشديد مع الصبر ؟ أبداً ، لا يتناقضان ، هذه طبيعة الإنسان ، هذه فطرته ، لا يحاسبك الله عز وجل على حزن ألم بقلبك لوفاة عزيز ، ولكنه يحاسبك على كلمة تتفوه بها تتناقض مع التوحيد ، يحاسبك على كلمة تعبر بها عن ضجرك ، يحاسبك عن كلمة تعبر بها عن شكك برحمة الله عز وجل : >>
> >


(( إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا ، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))>>



[ رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه ]>>

روى الحاكم أن موتها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام ، في رواية أخرى بشهرين وخمسة أيام ، والرواية الأولى ثلاثة أيام ، على كلٍ زمن قصير بين وفاة عمه أبي طالب ، ووفاة زوجته السيدة خديجة ، تروي كتب السيرة أن السيدة خديجة توفيت لعشر خلون من رمضان ، وهي في سن خمسة وستين عاماً .>>
عن حكيم ابن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة ، بعد خروج بني هاشم من الشعب ، ودفنت بالحجون في مكة ، ونزل النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قبرها ، ولم تكن صلاة الجنازة قد شرعت بعد ، وتتابعت الأحزان على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفاتها رَضِي اللَّه عَنْها ، وعرف العام الذي توفيت فيه كما قلت قبل قليل بعام الحزن ، وأصبح النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عاد إلى بيته عاد مهموماً مكروباً من كثرة ما يلقى من أذى المشركين وكيدهم ، ولا يرى وجه خديجة ، وهي تستقبله بإشراقة وجهها ، وصفائه ، وابتسامته ، يعني حقاً أن الله عز وجل جعل الزوجة الوفية المخلصة سكناً لزوجها ، تصور نبياً عظيماً يواجه صعوبات كالجبال ، إذا دخل إلى بيته استقبال زوجته بابتسامة وديعة ، بكلمة طيبة ، بدعوة إلى الصبر ، بتثبيت ، قدمت عملاً لا يقدر بثمن ، لا تقلل من قيمة زوجتك في البيت ، لا تقلل من قيمة أنها أحياناً تمتص بعض المتاعب ، لا تقلل من قيمة زوجةٍ صالحة تعينك على متاعب الحياة ، النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد ابتسامة الثقة والأمل التي كانت تستقبله بها ، فقد كانت كلمات التثبيت والتبشير التي كانت تبثه بها رَضِي اللَّه عَنْها ذات أثر كبير في نفسه ، الآن انتهت هذه الكلمات .>>
تروي كتب السيرة أن هذه السيدة العظيمة تبسمت للنبي وهي تجود بنفسها ، تبسمت له وهي تفارق الحياة ، أروع ما كتب عن هذا التبسم قيل : لعلها كانت تبتسم له كي تواسيه بنفسها عن نفسها ، أو لعلها تبسمت حين رأت مقامها وقصرها في الجنة .>>
روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : >>


(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))>>



[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]>>










> >

الزوجة الصالحة تمتلك أجراً كأجر المجاهد في سبيل الله
:>>
أخواننا الذين زاروا مكة المكرمة ، ورأوا جبل النور ، إنْ أراد رجل في ريعان شبابه ، قوي البنية، أن يصل إلى هذا الجبل ، أو إلى هذا المكان يحتاج إلى ثلاث ساعات .>>
امرأة مسنة تصعد هذا الجبل كله لتقدم للنبي طعامه وشرابه ، كم هذه الخدمة ؟ ماذا نستفيد من هذه القصة ؟ أي أن هذه المرأة التي تحسن تبعل زوجها ، تهيئ له طعامه ، وشرابه ، وثيابه النظيفة ، وأولاده الذين تربيهم تربية صالحة ، هذه المرأة التي تفعل هذا إنها تمتلك أجراً كأجر المجاهد في سبيل الله ، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام : >>


(( أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت : بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك ، وأعلم نفسي ـ لك الفداء ـ أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي ، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك ، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات ، قواعد بيوتكم ، ومقضى شهواتكم ، وحاملات أولادكم ، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، والحج بعد الحج ، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله ، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم ، وغزلنا لكم أثوابكم ، وربينا لكم أموالكم ، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله ؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال : هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه ؟ فقالوا : يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا ؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها : انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، وإتباعها موافقته يعدل ذلك كله ، فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً ))>>



[ البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ]>>

آه لو تعلم النساء ما هذا الحديث ، لا ينطق عن الهوى ، إن حسن تبعل المرأة زوجها ، إذا وفرت له جواً هادئاً في البيت ، وفرت له الطعام المريح ، والفراش الوثير ، والثياب النظيفة ، وخدمات كثيرة جداً ، كم لها عند الله من أجر : >>


(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . ))>>



[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]>>

قال : لعلها ابتسمت حينما رأت مقامها في الجنة .>>


كلما نضج إيمانك اعتقدت أن المرأة مساوية للرجل في حقل الدين
:>>
دلت بعض الأحاديث الشريفة على أن المؤمن عند الاحتضار يبشر بالجنة ، ويكشف له حتى يرى مقعده فيها عند الموت ، المؤمن لأن الله يكرمه ، ويبشره ، ويرى مقامه في الجنة ، ويرى مكانه فيها ، إما أنها ابتسمت تواسيه بنفسها عن نفسها ، أو أنها ابتسمت حينما رأت هذا القصر الذي وعدها الله به في الجنة ، على كلٍ قال : >>


(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))>>



[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]>>

ماذا قالت ؟ يا الله من أية جامعة تخرجت ، هل تحمل دكتوراه في الشريعة ! قالت : هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام ، لو أنها قالت : وعليه السلام ، انظر إلى فهمها العالي ، قالت : هو السلام ، مادام هذا السلام جاءها من ربها ، إذاً هو السلام ، لا يصح أن يرد عليه السلام ، هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام .>>
أنا أعتقد أنه كلما نضج إيمانك اعتقدت أن المرأة مساوية للرجل في حقل الدين ، وقد تسبقه ، ما هذه المرأة ؟ ما هذه الإجابة ؟ منك السلام يا رب ، ومنك السلام ، وعلى جبريل السلام ، في رواية ثانية عند الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ : >>


(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))>>



[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]>>

ليس شيئاً قليلاً أن يحبك الله ! شيء لا يستهان به أن تكون أثيراً عند الله ، أن يقرئك الله السلام ، إن الله يقرأ خديجة السلام ، فقالت : إن الله هو السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك يا رسول الله السلام ، ورحمة الله وبركاته ، كيف كانت تخاطبه في البيت ؟ تقول له : يا رسول الله ، الآن انظر إلى النساء ، النساء المثقفات لا تخاطب زوجها إلا باسمه المجرد ، وقد يكون زوجها كبيراً ، وعظيماً ، وله شأن كبير ، هذا من سوء الأدب ، أما السيدة خديجة تخاطب زوجها تقول له : يا رسول الله .>>

الله هو السلام يدل على فقه السيدة خديجة وفهمها وحسن أدبها مع الله تعالى
:>>
قال العلماء : يدل قولها أن الله هو السلام على فقهها ، وفهمها ، وحسن أدبها مع الله تعالى ، فالله سبحانه وتعالى لا يرد عليه بالسلام كما يرد على المخلوقين ، لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، وهو أيضاً دعاء بالسلامة ، وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله ، فكأنها قالت : كيف أقول عليه السلام ، والسلام اسمه ، ومنه يطلب ، ومنه يحصل ، فيستفاد من ذلك أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه فقط ، فأثنت عليه سبحانه ، ثم غايرت ما يليق بالله تعالى ، وما يليق بغيره ، فقالت : هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته ، كلمات قليلة لكنها تعبر عن أدب جم ، وعن فهم عميق ، وعن إيمانٍ قوي .>>
ذكرت بعض الروايات أن السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها رأت جبريل وهو في صورة رجل ، أخرج ابن السني بسنده عن خديجة أنها خرجت تلتمس رسول الله ، بأعلى مكة ومعها غداؤه ، تبحث عن طعام .>>
يقول الزوج لزوجته ألف مرة أتمنى أن يكون الطعام في هذه الساعة جاهزاً ، لا تبالي ، يأتي إلى البيت لا طعام ، ولا شيء معد جاهز ، فتنشأ الخلافات .>>
تتبعه بطعامه ، وتبحث عنه ، وتأخذ معها طعامها ، فلقيها جبريل في صورة رجل ، فسألها عن النبي فهابته ، ولما ذكرت ذلك للنبي قال لها : هو جبريل ، وقد أمرني أن أقرأ عليك السلام ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ، ولا نصب .>>
أيها الأخوة الكرام ، السيدة خديجة ماتت ، ماذا بقي بعد موتها ، بقيت ذكراها رحلت السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها عن الدنيا وتركت رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في ذروة المعاناة ، لما يلقى من أذى المشركين ، وإعراضهم ، وكيدهم ، وبقيت ذكرى السيدة خديجة في قلبه الشريف حيةً قويةً، فلم تبرحه حتى آخر يوم في حياته ، كان وفاءه لها عجيباً فلما فتح مكة أين نصب الراية ؟ نصبها عند قبر خديجة ، لماذا ؟ ليؤكد لها بعد موتها أن هذا النصر الذي حققه النبي ، كان بسبب صبرها ، ومعاناتها ، وتثبيتها لقلب النبي ، وما نسي فضلها أبداً .

>>
شدة وفاء النبي للسيدة خديجة و ذكرها دائماً عند أحبّ زوجاته إليه :
>>
ما يلفت النظر أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تشغله الأعمال الجليلة الكبيرة التي تملأ حياته عن تذكر زوجته السيدة خديجة ، الدعوة إلى الله ، تلقي الوحي ، تبليغه للناس، عرضه على القبائل ، الهجرة إلى المدينة ، تأسيس الدولة الإسلامية ، بناء المجتمع المسلم الجديد ، الجهاد في سبيل الله ، الخروج إلى الغزوات ، إرسال السرايا ، بعث البعوث ، إرسال الرسائل والكتب إلى الأمراء والملوك ، استقبال الوفود ، كل هذه الأعمال الجليلة التي نهض بها النبي لم تشغله عن تذكر السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها ، بقيت مع كل هذه الأعمال ذكرى خديجة رَضِي اللَّه عَنْها عالقة في قلبه الشريف لا تفارقه ، كأنها أصبحت جزءاً منه لا تكاد تنفصل عنه .>>
الذي يلفت النظر أيضاً أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج بعد وفاتها أمهات المؤمنين ، واجتمع عنده في وقت واحد تسع منهن ، وكن رَضِي اللَّه عَنْهن مع كل ذلك تسع نسوة يتنافسن على خدمته، ومحبته ، وتوفير راحته ، ومع ذلك لم ينس السيدة خديجة ، هذا الوفاء ، هذا الوفاء الزوجي ، ما من زوج على وجه الأرض أكثر وفاء لزوجته الأولى من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
من مظاهر وفائه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يذكر السيدة خديجة عند أحب زوجاته إليه ، السيدة عائشة ، يعني قيل : إنها حبيبته ، إنها حبيبة رسول الله ، وكانت رَضِي اللَّه عَنْها تغار من كثرة ذكر النبي لها ، طبعاً تعليق سريع ، غيرة المرأة تنبع من تصور وتخيل أن رسول الله يحبها أكثر منها ، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة ، ولنستمع إلى السيدة عائشة رَضِي اللَّه عَنْها ، وهي تعترف بغيرتها من السيدة خديجة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : >>


(( مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ : كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ : إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا ))>>



[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]>>

أحياناً الإنسان أمام زوجته الحبيبة الصغيرة التي تعلق قلبه بها كان من الممكن أن يصمت عن ذكر خديجة ، من شدة وفائه لها كان يذكرها عند أحب زوجاته إليه ، والحقيقة قول السيدة عائشة كأن لم يكن في الدنيا غيرها ، حقيقة ، عاش النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع خديجة أنضر سنوات عمره ، أمضى خمساً وعشرين سنة مع السيدة خديجة وحدها .>>

غيرة السيدة عائشة من السيدة خديجة رضي الله عنها
:>>
والله أيها الأخوة ، أستمع الآن إلى قصص طلاق بعد ثلاثين عاماً عاشت معه زوجته ، على مر الحياة وحلوها ، ثم طلقها ، وأولادها كبار ، لها أولاد ، ولها بنات ، ولها أصهار ، ومع ذلك طلقها لأسباب تافهة ، أهذا هو الوفاء ، ثلاثون عاماً عشت معها ، وبعدها تنتهي هذه الأعوام بالطلاق ، وَاللَّهِ جاءت امرأة في بعض المساجد في دمشق ، وقالت لي : أنا زوجة فلان ، وهي محجبة حجاباً كاملاً ، أنا زوجة فلان ، عشت معه ثلاثين عاماً ، وهو قد طلقني ، معقول !>>
قال ابن حجر رحمه الله في شرح كلمات السيدة عائشة ، ما غرت على أحد من نساء النبي ، قال : " فيه ثبوت الغيرة ، وأنه ليس مستنكر وقوعها من فاضلات النساء ، فضلاً عمن دونهن ، يعني أيها الزوج لا تتألم كثيراً إذا كانت زوجتك غيورةً ، فالغيرة من صفات النساء ، فليس بمستغرب أن تقع الغيرة من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن ، وأن عائشة رَضِي اللَّه عَنْها كانت تغار من نساء النبي ، فكانت تغار من السيدة خديجة أكثر غيرة والسبب طبعاً أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يكثر من ذكرها كثيراً ، وقولها هلكت قبل أن يتزوجني ، يعني هي لم تعرفها ، ولم تر وجهها ، هلكت قبل أن يتزوجني ، فلو أنها رأتها لكانت غيرتها أشد ، ثمة حالات نادرة أسوقها لكم ، يعني أحياناً تغار منها كثيراً تندفع إلى التعريض فيها ، هذا الشيء الجديد ، فيغضب عليه الصلاة والسلام ، ويرد عن أم المؤمنين عائشة ، يرد عليها ، يذكرها ببعض المناقب والفضائل التي انفردت بها السيدة خديجة ، والتي لا يشاركها فيها غيرها من أمهات المؤمنين ، كلم السيدة عائشة على ما بدر منها ، وتقول معلنةً توبتها وندمها : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بالخير ، شيء واقعي ، السيدة عائشة امرأة غيورة لا تحتمل أن يذكرها النبي دائماً ، لذلك كان النبي يرد عليها ، ويدافع عن السيدة خديجة ، تقول : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا اليوم إلا بالخير ، القصة كاملة رويت في بعض الكتب ، استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على النبي الكريم ، يبدو أن الصوتين متشابهين ، بعد موت خديجة سمع صوتاً يشبه صوت زوجته ، فارتاح لذلك وقال : اللهم هالة ، فغرت فقلت : ما تذكر من عجوز ـ الآن صارت عجوزاً ـ ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين ، يعني ليس في فمها سن ، وكبيرة في السن ، خمسة وستون عاماً .
قال لي أحد الأشخاص : والله ما في فمي سن ، فقلت له : وشعرك ، قال لي : لا شعري طبيعي ، خفت أنْ يكون شعره مستعاراً ، الإنسان بعد سن معين لا بد له من قطع غيار كثيرة ، فقالت له : حمراء الشدقين ، هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خير منها ، يعني هذه ساعة غيرة شديدة .>>

ميزات السيدة خديجة كما رآها النبي الكريم :
>>
قالت ما تذكر من عجوز من عجائز قريش ، حمراء الشدقين ، هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خيراً منها ، فقال لها : إنها كانت وكانت وَكانت ، وكان لي منها الولد ، فسر بعضهم قوله الشريف ، إنها كانت فاضلةً ، وكانت عاقلة ، وكانت ، وكانت ، وكان لي منها الولد ، أما أجمل دفاع عنها فهو مرويٌّ في مسند أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : >>


(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ فَغِرْتُ يَوْماً فَقُلْتُ مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْراً مِنْهَا قَالَ مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ ))>>



[أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]>>

انظر إلى ميزاتها ، وفي الحقيقة أروع ما في الأخلاق ألا تنسى فضل الناس عليك ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما سمع أن الأنصار وجدوا عليه في أنفسهم جمعهم وقال : يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ، جمعهم ، وكان أقوى رجل في الجزيرة ، وكان بإمكانه أن يفعل كما يفعل بعض الأقوياء أن يلغي وجودهم ، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم ، وكان بإمكانه أن يهملهم ، وكان بإمكانه أن يعاتبهم ، وكان بإمكانه أن يذكرهم بفضله عليهم ، فماذا فعل ؟ جمع الأنصار وهو في أعلى درجات القوة ، وذكرهم بفضلهم عليه ، ما هذه الأخلاق ! قال : يا معشر الأنصار أما إنكم لو شئتم لقلتم ولصدقتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، طريداً فآويناك ، عائلاً فأغنيناك ، يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ، وعالةً فأغناكم الله ، وأعداء فألف بين قلوبكم ، إلى آخر القصة . >>


(( ... مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ ))>>



[أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]>>

قالت السيدة عائشة ، هكذا تروي الروايات ، أبدلك الله حديثة السن بكبيرة السن ، فغضب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضباً شديداً فخافت فقالت : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بالخير ، هذه مشكلة نشأت في بيت النبي صاحب ود ووفاء لزوجته السيدة خديجة ، وهي صاحبة غيرة .>>

من فضائل خديجة أن النبي الكريم قرن بينها وبين السيدة مريم في الخيرية والفضل :
>>
تعليق لطيف ، ما معنى حمراء الشدقين ؛ نسبتها إلى كبر السن ، لأنه من دخل في سن الشيخوخة مع قوة في بدنه ، يغلب على لونه غالباً الحمرة المائلة إلى السمرة ، والذي يتبادر أن المراد بالشدقين ما في باطن الفم ، فكانت في ذلك عن سقوط أسنانها ، حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم الأحمر من اللثة وغيرها ، وبهذا قال النووي ، ما معنى حمراء الشدقين ؟ أي لا يوجد أسنان ، ولا يوجد في فمها غير لثة حمراء وباطن الفم أحمر .>>
يؤكِّد الإمام النووي رحمه الله تعالى أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كلماته كلها يظهر من كلماته حسن العهد ، وحفظ الود ، وحرمة الصاحب ، والمعاشرة ، حياً وميتاً ، أحياناً عندما يموت إنسان يستخف به ، أما عليه الصلاة والسلام فقد كان وفياً لها في حياتها ، وبعد موتها ، كان صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذبح شاةً يقول : أرسلوا إلى صديقات خديجة ، قالت : فأغضبته يوماً فقلت : خديجة ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني قد رزقت حبها .>>
من فضائل خديجة أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرن بينها وبين السيدة مريم في الخيرية والفضل، فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : >>


((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ))>>



[البخاري ومسلم عن علي]>>

يقصد خير نساء من على الأرض ، ومن تحت السماء ، خديجة بنت خويلد ، ومريم ابنة عمران ، السيدة مريم شهد الله لها بالاصطفاء : >>


﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)﴾>>



( سورة آل عمران )>>

شهد لها بالصديقة ، وهي المرتبة التي تلي مرتبة النبي ، فإذا كان النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد جمع بين السيدة مريم والسيدة خديجة في الفضل ، فمعنى ذلك أن السيدة خديجة في مرتبة الصديقة.>>

المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف :>>
شيء آخر : >>


((خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ قَالَ : تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ))>>



[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]>>

نستفيد من هذه القصة أن المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف ، وأن الذي حباه الله عز وجل زوجة صالحة فقد أعطاه شيئاً كثيراً ، أعطاه نعمة عظيمة ، أعطاه حسنة الحياة الدنيا . >>


﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾>>



( سورة البقرة )>>

قال النبي عليه الصلاة والسلام : >>


((خَيرُ النساءِ امرأةٌ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْكَ وإذا أمَرْتَها أطاعتكَ وإذا غِبْتَ عنها حَفِظتْكَ في نَفْسِها ومالِكَ.))>>



[ البيهقي عن أبي هريرة]>>




والحمد لله رب العالمين >>







عام الحزن>>

بعد أحداث المقاطعة الاقتصادية والحصار الذي قام به المشركون ضد المسلمين، وبعد نقض تلك الصحيفة الجائرة، انطلق المسلمون من الشِعب يستأنفون نشاطهم الدعوي، بعدما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الجسام، وما أن تنفَّس المسلمون من الشدة التي لاقوها، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يصاب بمصيبتين عظيمتين هما: وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، ووفاة عمه أبي طالب .>>
لقد كان لوفاة خديجة رضي الله عنها وقعه الشديد على النبي صلى الله عليه وسلم، فهي التي آزرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته أفراحه وأتراحه، وواسته بنفسها ومالها، ووقفت بجنبه ساعة الشدة، وظلت ربع قرن من الزمان تتحمل معه كيد الخصوم، وآلام الحصار، ومتاعب الدعوة، ولذلك كان موتها من أكبر المصائب التي مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى حزن عليها أشد الحزن وظل يذكرها بالخير طول حياته، ويبين للناس فضلها وإحسانها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت فغِرْتُ يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ) رواه أحمد .>>
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ (أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، هـذه خديجة قـد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقـرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ‏) رواه البخاري .‏>>
وفي نفس العام الذي توفيت فيه خديجة رضي الله عنها توفي عمه أبو طالب ، وكان موته مصيبة أخرى أضيفت إلى المصائب والأحزان التي ألمَّت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أبو طالب الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء مع بقائه على ملة قومه .>>
فقد ظل أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، ويغضب له، ولم تستطع قريش أن تنال من النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد موت أبي طالب، فقال عليه الصلاة والسلام : (ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب) . >>
والذي ضاعف حزن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمه أبا طالب مات كافراً، ومع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هدايته ودعوته للإسلام، إلا أن سنة الله في خلقه لا تتبدل { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين } (سورة القصص:56). >>
ولتوالي هذه الأحزان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام واحد عرف ذلك العام العاشر من البعثة، عند أهل السير بعام الحزن، وقد قال بعضهم مصوراً الحال بعد وفاة خديجة رضي الله عنه، وأبي طالب :>>



فجاء عمك حصناً تستكن به فاختاره الموت والأعداء في الأجم

تُرمى وتُؤذى بأصناف العذاب فما رئيت في ثوب جبَّار ومنتقم

حتى على كتفيك الطاهرين رموا سلا الجزور بكف المشرك القزم

أما خديجة من أعطتك بهجتها وألبستك ثياب العطف والكرم

غدت إلى جنة الباري ورحمته وأسلمتك لجرح غير ملتئم >>









إنها أحداث تهز الكيان البشري، وتزلزل الأرض من تحت أقدام الضعفاء، أما من قوي إيمانه بالله ويقينه بوعده ونصره، فلا تزيده هذه الأحداث إلا تصميماً وعزماً على مواصلة الطريق، وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم.>>
وعلى الرغم من المحنة التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتم بشؤون أصحابه، ويقف إلى جوارهم ويواسيهم، ففي شوال من العام نفسه تزوج النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعه ، وذلك حين خشي عليها من بطش قومها بعد وفاة زوجها، وهي أول زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها. >>
لقد علمتنا تلك الأحداث دروساً عديدة، فمنها أن الله سبحانه وتعالى يسخر للمؤمن من يحمي دعوته، وحياته من الأذى.>>
ومنها أن الزوجة الصالحة والمؤمنة لها أثر في نجاح الدعوة وانتصارها، وموقف السيدة خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في ذلك.أ>>
ومنها أن أحداث عام الحزن بما فيها من ألم ومرارة، كان لها الأثر البالغ في قلوب الأتباع، حيث غرست في قلوبهم قوة الإيمان بالله جل وعلا، والصبر على مر القضاء والقدر، والالتجاء إلى رب الأرض والسماء.>>






> >
عام الحزن>>
د راغب السرجاني>>
حدثت للمسلمين مصيبتان كبيرتان في وقت محدود، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتوقيت هاتين المصيبتين صعب جدًّا، فالدعوة الآن في فترة من أحرج فتراتها، ولكن تلك هي حكمة الله
>، وسنحاول معًا -إن شاء الله- بعد طرح ما حدث في هاتين المصيبتين أن نستنبط طرفًا من حكمة الله في هذا الأمر.>>
المصيبتان كانتا وفاة عم رسول الله أبي طالب السند الاجتماعي المهم لرسول الله ، ووفاة السيدة الفاضلة العظيمة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها زوجة رسول الله والسند العاطفي والقلبي المهم جدًّا لرسول الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.>>
اختلف المؤرخون في تحديد أي المصيبتين حدث أولاً، منهم من قال قد تقدم موت أبي طالب لأنه حدث بعد الخروج من الشعب بستة أشهر، أي أنه حدث في رجب من السنة العاشرة، ثم وفاة السيدة خديجة -رضي الله عنها- لأنه اشتهر أنه حدث في رمضان من السنة العاشرة للنبوة. ومنهم من قدم وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها وجعل موت أبي طالب في شوال بعد السيدة خديجة بخمسة وثلاثين يومًا في بعض الروايات.>>
والمسألة فيها تفصيل وبحوث وإن كانت لا تهم كثيرًا؛ لأن المصيبتين حدثتا في وقت قريب جدًّا من بعضها البعض، وكانت آثارهما مشتركة.>>
والموت مصيبة كما سماه الله في كتابه حيث قال: {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 106]. ولكن إن كان الموت بصفة عامة مصيبة فموت السيدة خديجة وأبي طالب كان مصيبة كبيرة جدًّا، وخاصة لقربهما من بعضهما البعض، مما جعل رسول الله -وهو الذي اشتهر بالتفاؤل والتخفيف عن أصحابه- يطلق على هذا العام الذي مات فيه أبو طالب والسيدة خديجة وهو العام العاشر من النبوة، يطلق عليه عام الحزن.>>
وفاة أبي طالب>>
مَن كان أكثر من يدافع عن رسول اللهويساعد المسلمين؟ إنه أبو طالب؛ لذا يجب أن يختفي أبو طالب من مسرح الأحداث كي لا يظن أحد أن الدعوة قائمة عليه، وليعلم الجميع أن الدعوة مستمرة؛ لأنها دعوة الله .>>
أما موت أبي طالب فكان مأساويًّا إلى أبعد درجة، لا لأنه مات فقط، ولا لأنه كان ناصرًا للدعوة حاميًا لرسول الله ، دافعًا لكيد أهل قريش من الكافرين، جامعًا لبني هاشم وبني المطلب حول رسول الله ، مؤيدًا لرسول الله باللسان والسنان، مات كافرًا، مات على غير الحق الذي طالما دافع عنه.>>
لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي وعنده أبو جهل. رسول الله يعلم الحق بكامله وبكل أبعاده، يعلم أنه سيأتي يوم يحاسب فيه أبو طالب على أعماله، فإن كان مشركًا لم تنفعه أعماله، وإن آمن بدلت سيئاته حسنات، وهو قادم على الموت لا رجعة بعده، وهي إما نار أبدًا، وإما جنة أبدًا، فرسول الله يدخل عليه وقلبه يتفطر ألمًا عليه، أبعد كل هذا الدفاع والكفاح والتعب يخلد في النار؟ كان رسول الله يحب عمه حبًّا جمًّا، وكان يسابق الزمن ليذهب إليه قبل أن يموت يدعوه إلى الإسلام للمرة الأخيرة، ودخل عليه فعلاً قبل أن يموت وتنفس الصعداء لما وجده ما زال حيًّا، ولكن وجد بجواره فرعون هذه الأمة، يزوره في مرضه الأخير، لا للاطمئنان على صحته ولكن للاطمئنان على وفاته كافرًا بإله محمد ، فلو آمن أبو طالب حتى قبل موته بلحظات فإن هذا سيكون ضربة قاصمة للكفر بمكة، وقد تؤمن قبيلة بني هاشم وبني المطلب إما اقتناعًا برأي أبي طالب وإما حمية له؛ ولذلك فأبو جهل يقف على رأس أبي طالب، يبذل مجهودًا ووقتًا وعرقًا من أجل الصد عن سبيل الله.>>
رسول الله مع عمه قبل الموت>>
دخل رسول الله على عمه أبي طالب، فقال -كما جاء في صحيح البخاري-: "أَيْ عَمِّ، قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟>>
يذكره بالتقاليد الموروثة وبديانة الأب، وكم أهلكت التقاليد من البشر، وأبو طالب يقف حائرًا بين الداعيتين، داعية الخير وأعظم الخلق وأبلغ البشر رسول الله ، وداعية الشر فرعون هذه الأمة وإمام الضلال أبي جهل لعنه الله.>>
فَلَمْ يَزَالاَ يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.>>
أي عبادة الأصنام، لا حول ولا قوة إلا بالله! غصة شديدة في حلق رسول الله ؛ فهو يرى مدى الجهد والنصب الذي تعرض له أبو طالب من أجله ولحمايته وإعطائه حرية التبليغ.>>
فَقَالَ النَّبِيُّ : "لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ". فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]. لا حول ولا قوة إلا بالله!!>>
وأصبح أبو طالب من أصحاب الجحيم، خلود ولا موت وأين؟ في الجحيم.>>
روى البخاري عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِلنَّبِيِّ : مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: "هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ (في جزء قليل، فُسِّر في حديث آخر بأن النار تصل إلى كعبيه فقط، ولكن يغلي دماغه من هذه النار، نسأل الله العافية)، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ".>>
وطبعًا رسول الله شفع له لا لقرابته ولكن لعمله، بدليل أنه لم يشفع لأبي لهب مثلاً وهو أيضًا عمه.>>
ونحمد الله I على نعمة الإسلام، وهي نعمة لا يقدرها ولا يشعر بها كثير من الناس الذين يرددون كلمة التوحيد دون فهم.>>
بعد وفاة أبي طالب>>
كان موت أبي طالب سببًا في تغير الموقف في مكة تغيرًا كبيرًا، فقد كان لأبي طالب مكانة كبيرة في مكة خاصة وأنه كان على دينهم، فقد تجرأ الكفار على رسول الله تجرُّؤًا غير مسبوق، حتى إن رسول الله قال: "مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ".>>
فمع أن الرسول قد تعرض قبل ذلك لإيذاء من أهل مكة في حياة أبي طالب إلا أنه اعتبره وكأنه لم يكن، بالقياس لما حدث بعد وفاة أبي طالب.>>
اعترض سفيه من سفهاء قريش طريق رسول الله فنثر على رأسه التراب، فدخل بيته والتراب على رأسه الشريف، فقامت إليه إحدى بناته، وجعلت تغسل التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها: "لاَ تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ".>>
بل حدث ما هو أشد، فكما روى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلاَ جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ (وفي رواية أنه عقبة بن أبي معيط)، فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ (ولاحظ الحسرة الشديدة في كلام ابن مسعود ، عبد الله بن مسعود ليس له منعة في مكة ولن يبكي عليه أحد، ولو قام يدافع عن رسول الله لقتل، وسيصبح تقدمه مخالفة واضحة؛ لأنهم مأمورون بالتكتم وتجنب إثارة الفتن أو الحرب، ولذلك اجتهد عبد الله بن مسعود في أن لا يتحرك، وسكت رسول الله على ذلك، وسكوته يعني رضاه على تصرف ابن مسعود ) وَالنَّبِيُّ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ، فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ -وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا- ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضَّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ"، وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ. (وفي رواية أخرى أنه عمارة بن الوليد)، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.>>
ولا يخفى علينا مدى الألم الذي كان يشعر به رسول الله عند هذه الحادثة، فمع كل ما حدث له وللمؤمنين في السنوات العشر السابقة إلا أنه للمرة الأولى يقف ويدعو على قريش، ثم هو يسمي أسماء بذاتها قد تأكد عنده أنهم لا أمل في إيمانهم، فدعا عليهم بالهَلَكَة، ودعوة الأنبياء مقبولة ومجابة، وهذا أمر لا يتكرر في حياة رسول الله كثيرًا، حتى في موقف الطائف رفض رسول الله أن يدعو على أهل الطائف بالهلكة، مع شدة إيذائهم له، ولعلَّ ذلك يرجع إلى أنه لم يدعهم للإسلام إلا لمدة عشرة أيام فقط هي التي قضاها في الطائف بينما ظل يدعو في مكة عشر سنوات، وقد ثَبَتَ هؤلاء الكفار على كفرهم ولم تردعهم الآيات المتتالية، وحتى بعد هذا الدعاء من رسول الله والذي كان بمنزلة إعلان الحرب عليهم، وغلق باب الدعوة لهؤلاء فإنهم لم يرتدعوا وصدق فيهم قول الله : {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60].>>

تزامنت مع مصيبة وفاة أبي طالب عم رسول الله مصيبة أخرى هي أشد وأعظم (أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ).
لقد تعرض رسول الله لكل صنوف الابتلاءات من فقد الأم والأب والجد والعم، تعرض للتكذيب والإيذاء، تعرض للإخراج من بلده ومحاولات قتله، تعرض للحروب والجهاد، تعرض للإساءة إليه من المنافقين، وحتى من بعض المسلمين، والآن يأتي ابتلاء آخر جديد، لقد ماتت السيدة العظيمة الكريمة الجليلة الشريفة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- زوجة رسول الله ، وخديجة -رضي الله عنها- كانت نعمة من نعم الله على رسول الله ، كانت خير متاع الدنيا له، كانت السكن والراحة، كانت المودة والرحمة، كانت الصدر الحنون، كانت الرأي الحكيم، كانت صورة رائعة للمرأة الصالحة، كانت السيدة خديجة -رضي الله عنها- بحقٍّ فخرًا لكل امرأة.
حياة امتدت مع رسول الله خمسة وعشرين عامًا متصلة، ربع قرن كامل، لم تنقل كتب السيرة خلافًا واحدًا حدث بينها وبين رسول الله ، لم تنقل كتب السيرة غضبًا ولا هجرًا، لم تنقل طلبًا من السيدة خديجة لنفسها، لقد عاشت لرسول الله ، عاشت تؤازره في أحرج أوقاته، تعينه على إبلاغ رسالته، تهُوِّن عليه الصراع الذي دار بينه وبين كفار مكة، تواسيه بمالها ونفسها، تجاهد معه بحق كما لم يجاهد كثير من الرجال.
مكانة السيدة خديجة عند رسول الله
يتحدث عنها رسول الله في حب عميق، فيقول كما جاء في مسند الإمام أحمد برواية السيدة عائشة رضي الله عنها، قَالَ: "مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلاَدَ النِّسَاءِ".
ثم بعد كل هذا الارتباط الوثيق، أَذِنَ الله بالرحيل، ماتت خديجة رضي الله عنها.
موت الزوجة بصفة عامة مصيبة، الرجل مسكين، مسكين فعلاً بغير زوجته، فإن كانت العشرة بينهما طويلة كان الفراق أصعب، فإن كانت الزوجة صالحة كان الفراق أصعب وأصعب، فما بالكم لو كانت الزوجة واحدة من أعظم نساء الأرض! مصيبة كبيرة، كبيرة.
روى الترمذي عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ". قَالَ أبو عيسى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وروى الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ. قَالَ: تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ". رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ.
السيدة خديجة -رضي الله عنها- قيمة كبيرة جدًّا في الميزان الإسلامي، من الصعب علينا أن نتخيل قدرها.
روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: "أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ -أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ- فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا (الله!! تخيَّل أن الله أرسل جبريل ليبلغ رسول الله أن الله في عليائه يُقْرِئ السيدة خديجة السلام) وَمِنِّي، (ليس هذا فقط بل يكمل جبريل ويقول) وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ (أي من لؤلؤ مجوف أو ذهب منظوم بالجوهر) لاَ صَخَبَ (أي لا صوت مرتفع) فِيهِ، وَلاَ نَصَبَ (أي لا تعب)".
درجة عالية جدًّا من درجات السمو!!
هذه السيدة، بهذا القدر، وبهذه القيمة، وبهذه المكانة، فارقت رسول الله ، وفي وقت هو من أحرج أوقات الدعوة على الإطلاق.
ولهفِي عليك يا رسول الله ، كيف تحمّل قلبك الرقيق الحنون العطوف كل هذه المصائب، وقد بلغت الخمسين من العمر، ووهن العظم، وكثرت الهموم، وصَعُبَ الطريق، وأظلمت مكة.
- السيدة خديجة (رضي الله عنها) ماتت.
- أبو طالب عم رسول الله الذي كان يحوطه ويمنعه مات، وليس هذا فقط بل مات مشركًا، وهذه مصيبة في حد ذاتها.
- كاشف كفار مكة ومجرموها رسول الله بالأذى والتجريح.
- الأصحاب في مكة مستضعفون.
- بقية الأصحاب، فوق الثمانين منهم، على بُعد مئات الأميال في الحبشة.
- هموم وأحزان بعضها فوق بعض، وأصبح العام بحق عام الحزن.
في هذا الجو المظلم الكئيب، ماذا يفعل رسول الله ؟
لقد أغلقت تقريبًا أبواب الدعوة في مكة وتجمد الموقف، ولم يعد هناك كبير أمل في إسلام رجل من أهل مكة في هذه الظروف، أيأتي زمان وتقف الدعوة؟!
أبدًا، إن دعوة الله لا يمكن أن تقف، قد تختلف الوسيلة، قد يختلف المكان، ولكنها أبدًا لا تقف. ورسول الله لا يتحمل توقف الدعوة؛ فهي بالنسبة إليه كالماء والهواء حتى إن الله عاتبه في شدة حزنه على عدم استجابة الناس {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3].




د. راغب السرجاني



lu hgvs,g wgn hggi ugdi , sgl o]d[i vqd ukih td uhl hgp.k



المغرب
التعديل الأخير تم بواسطة محمد الرقيه ; 09-30-2013 الساعة 12:35 AM.


محمد الرقيه


رقم العضوية : 25937
الإنتساب : Dec 2011
المشاركات : 280
بمعدل : 0.28 يوميا
النقاط : 3
المستوى : محمد الرقيه is on a distinguished road

محمد الرقيه غير متواجد حالياً عرض البوم صور محمد الرقيه



  مشاركة رقم : 2  
كاتب الموضوع : محمد الرقيه المنتدى : منتدى السيره النبويه العطره
افتراضي رد: مع الرسول صلى الله عليه و سلم و خديجه رضي الله عنها في عام الحزن
قديم بتاريخ : 09-28-2013 الساعة : 02:47 AM

خديجة بنت خويلد - سيدة نساء قريش



موعد مع القدر
هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، وأحرصهن على التزام جانب الأمانة، والاحتفاظ بسياج العفة والكرامة.
كانت كثيرة المال وافرة الثراء، لها تجارة واسعة ترسلها إلى أسواق العرب مع ما ترسله قريش من قوافلها، وكانت قافلتها تعدل أحيانا قوافل قريش بأجمعها[
كانت على موعد مع القدر حينما اختارت محمدا ليخرج في تجارتها. فـأحسنـت معاملته وأجزلت أجره، ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حاله معها فقال: (ما رأيت من صاحبة أجير خيرا من خديجة)..
وتأنس خديجة إلى صدق رسول الله وأمانته فتطلب منه أن يخرج بتجارتها إلى الشام وترسل معه غلامها ميسرة.
كانت فرحة خديجة كبيرة بتجارتها التي ربحت ضعف ما كانت تربح، ولكن فرحتها بمحمد وحديث ميسرة عن أمانته واستقامته وعفته كانت أكبر.
وأدركت خديجة بحسها المرهف، وعقلها الراجح، أن محمدا صنف آخر من الرجال، وأنه ليس مثل أولئك الذين تقدموا للزواج منها، يطلبونها لشرفها أو لمالها أو لجمالها..
وإذا كانت قد رفضت في كل مرة زعماء قريش الواحد تلو الآخر، الذين تقدموا إليها.. فإنها تحس في نفسها رغبة ملحة أن تتقدم هي لمحمد وتطلب منه أن يتزوجها. ولكن كيف السبيل إلى ذلك وأعراف القوم تأبى؟
ذهبت إلى إحدى صديقاتها نفيسة بنت منيه تبثها ما في نفسها، وتطلب مشورتها.. فأشارت عليها أن تقوم هي بهذا الدور، فذهبت إلى محمد تتعرف رأيه وتستطلع خبره، فقالت نفيسة:
ما يمنعك أن تتزوج يا محمد ؟ قال:
ما بيدي ما أتزوج به. قالت نفيسة:
فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف، ألا تجيب؟ فسأل محمد:
ومن هي؟ قالت نفيسة : خديجة.
ومن الحوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفيسة رسولة خديجة، إلى الحوار المباشر معها.. قال رسول الله:
من لي بك وأنت أيم قريش، وأنا يتيم قريش؟ قالت:
يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك.
وهكذا ترفض خديجة كبار شخصيات قريش.. وتُقبل على محمد.. ولم لا.. وهو كما وصفه عمه أبو طالب عندما جاء لخطبتها قال:
(أما ابن أخي محمد فلا يوزن به رجل إلا رجحه شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، وان كان في المال قلا، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة.. وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك).
وهكذا زفت خديجة بنت خويلد بنت الأربعين صاحبة المال والسؤدد، التي يلقبها قومها بالطاهرة، إلى محمد صلى الله عليه وسلم سيد شباب قريش ابن الخامسة والعشرين والذي يلقبه قومه بالأمين.

نعمت الزوجة الصالحة للزوج الصالح
وعاش الزوجان في أمن وأمان، وحب ووئام، فولدت له القاسم ثم زينب ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم ولدت له في الإسلام عبد الله فسمي الطيب والطاهر.
وإذا كانت العناية الإلهية قد هيأت محمدا لدور كبير يقوم به في واقع الحياة البشرية، فيحولها من الظلمات إلى النور.. فإن العناية الإلهية ذاتها، هي التي جاءت بخديجة الكبرى لتكون الزوجة العظيمة، التي ترعى الزوج: بحبها وحنانها وقلبها وروحها. إن من يدرس سيرة هذه الأم العظيمة، لا بد أن يدرك، أنها جاءت على قدر، لتقوم إلى جانب النبي بأعظم وأنبل دور تقوم به امرأة.

أمام الموقف الكبير
كان محمد صلى الله عليه وسلم، بعيدا عن ترهات قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور يتحنث ويتعبد ويتفكر في ملكوت السموات والأرض، وفيما وراءها من قدرة مبدعة.
وكانت خديجة تؤمّن له الهدوء الشامل، والاستقرار الكامل، تأخذ له الطعام إلى الغار إذا أبطأ عنها.. وتكلأه بحبها إذا حضر إليها، كانت مقتنعة بعمله.. مدركة بفطرتها السليمة أن لزوجها شأنا عظيما.. كانت خديجة له ردءا وعونا وحصنا يعتصم به من عوادي الدهر، يستلهم منها الأمن عند الخوف، ويستمد منها القوة عند الضعف، ويجد فيها السكينة عند القلق والاضطراب].
وعلى رأس الأربعين عاما، جاء الحق محمدا وهو في غار حراء، جاءه الملك فقال:
اقرأ، فقلت:
ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فضمني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:
اقرأ، فقلت:
ما أنا بقارئ، فأخذني فغتني الثالثة، ثم أرسلني فقال:
)اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم(.
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة، فقال:
زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي يا خديجة.
وتواجه خديجة العظيمة الموقف الكبير بمفردها، فلا تجزع ولا ترتبك ولا تتردد.. بل تخاطب الزوج الخائف وتقول:
كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. أبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
هل هناك شجاعة أعظم، أو حكمة أبلغ، أو موقف أكرم من فعل خديجة هذا وموقفها..؟
ولا تكتفي بذلك التطمين الأوليّ لتثبيت القلب الخائف.. فتأخذ بيده إلى ابن عمها ورقة بن نوفل.. وكان شيخا كبيرا تنصر في الجاهلية.. فتقول له:
يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة:
يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة:
(هذا هو الناموس الأكبر نزّله الله على موسى، ليتني فيها جَذَعَا أنصرك حين يخرجك قومك، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا) ].
ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم حجم المسؤولية التي ألقتها العناية الإلهية على كاهله.. وانه سيؤذى ويُخرج ويُقاتل.. وأدركت معه خديجة مقدار الواجب الكبير الذي تتحمـلـه للوقوف إلى جانب الزوج النبي.
كانت معه بكل إحساسها ونبلها وحبها وعطفها. كانت حزينة معه يوم فتر الوحي.. وينشرح فؤادها وهي ترى زوجها مستبشرا بعودته.
علمها رسول الله كيف تتوضأ وتصلي.. ولقد شهدتهما أيام مكة ولياليها يصليان لله ويحمدانه ويشكرانه على ما أولاهما من نعم.

المجتمع المسلم الأول
كان بيت الرسول الذي يضم بالإضافة إلى زوجه خديجة بناتها وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة هو المجتمع المسلم الأول الذي آمن بالدعوة الكريمة التي نزل بها الأمين جبريل، على قلب الأمين محمد صلى الله عليه وسلم.
وإذا كانت خديجة في جاهليتها مشغولة في تجارتها وتنمية أموالها والمحافظة على مكانتها.. فهي اليوم مشغولة بالدعوة وكيف تكسب لها أنصارا.. مشغولة بالنبي وكيف تقف إلى جانبه تؤازره وتعاونه وتكلؤه.
عندما أسلم أبو بكر رضي الله عنه، وانضم إلى موكب المؤمنين، وسمعت مقالته وهو في بيتها يعلن تصديقه لمحمد صلى الله عليه وسلم دون توان أو تردد لم تـملك نفسها إلا وهي تهتف بأبي بكر مهنئة له وتقول: الحمد لله الذي هداك يا ابن أبي قحافة. جميع المؤمنين أبناؤها وهي أم المؤمنين.

في طريق الدعوة
وتـمر الدعوة بمراحلها الصعبة، ويقف أهل مكة موقف العداء الشديد من محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته، نالوه بالإساءة ووالوه بالسخرية ورموه بكل ما يكره من بذيء القول وفاحش الكلام. نعتوه بالجنون والسفه، واتهموه بالكهانة والسحر. في كل يوم كانت عقول أهل مكة تتفتق عن مزيد من وسائل المكر والخبث والحرب ضد النبي وأصحابه.
وكان رسول صلى الله عليه وسلم وزوجه خديجة والنفر القليل من المؤمنين معه يقابلون كل ذلك بإيمان أرسخ من جبال مكة، وبعزيمة أثبت من الدنيا وما فيها.. يقابلون الفظاظة بالمرحمة.. والطيش بالحلم.. والإساءة بالإحسان..
كم عانت السيدة خديجة من جوار أبي لهب الذي تزعّم هو وزوجه أم جميل نادي قريش في الإساءة إلى النبي.. فكانت تكتفي بإزالة ما كانت تلقيه أم جميل من أقذار وأشواك تضعها في طريق النبي وأمام داره..
وسارت خديجة مع زوجها العظيم في طريق الدعوة.. والآلام.. صابرة محتسبة.. ردوا عليها بناتها رقية وأم كلثوم وكانتا عُقد عليهما لعتبة وعتيبة ابني أبي لهب..
هاجرت ابنتها رقية مع زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه مع أوائل المهاجرين إلى أرض الحبشة.
كانت تحس بالألم يعتصر فؤادها، على غربة بناتها، وتشتت شمل أسرتها، ولكنها الصابرة المحتسبة.. وكيف يمكن أن تكون أما للمؤمنين ومثلا أعلى للمؤمنات.. إن لم تعط من نفسها القدوة والمثل في التضحية والفداء...؟

الحصار في شعب بني هاشم
(رأت قريش أن كل ما استعملته من وسائل مع النبي وصحبه، من المسالمة والإغراء، ومن السخرية والاستهزاء، ومن الإرهاب والتعذيب، ومن الدعاية والتهويش لم يجدها نفعا، ولم يصرف الناس عن دعوة الإسلام، ولم يحل بينها وبين الظهور والانتشار. ورأت أن دخول العناصر القوية فيها قد زادها ظهورا وانتشارا، فقد عز المسلمون منذ أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، واستطاعوا أن يستعلنوا بصلاتهم بعد أن كانوا يسرون بها، وأن يصلّوا عيانا في حرم الكعبة بعد أن كانوا يستخفون في شعاب الجبال، واستطاعوا كذلك أن يجهروا بالقرآن على مسمع من قريش بعد أن كانوا يتخافتون به.
وحارت قريش في أمرها. فلجأت إلى سلاح آخر غير سلاح الإرهاب والتخويف، هو سلاح المقاطعة) ].
فاجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، وعلقوها في جوف الكعبة. فلما فعلـت ذلـك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب إلى قريش، فظاهرهم[.
وتركت خديجة دارها، وانتقلت مع محمد إلى شعب أبي طالب، تقاسي ما يقاسي زوجها وما يقاسي أتباعه معه. ولم تتوان رغم تجاوزها الستين في أن تقوم لمحمد صلى الله عليه وسلم بما كانت تقوم له من قبل. فظلت هي هي المواسية المشجعة المؤازرة وزير الصدق الذي عاون محمدا، وأخذ بيده منذ بدء دعوته[].
ليس هذا فقط.. بل وكانت تدبر أمر ايصال بعض الطعام إلى الشعب المحاصر، وتشرف بنفسها على توزيعه على المحاصرين..
ثلاث سنوات طوال، مكثها المسلمون محاصرين في الشعب، حتى اشتد بهم البلاء وبلغ منهم الجهد، فأكلوا ورق الشجر وسُمع صراخ أطفالهم من بعيد..
وإذا استطاع الحصار أن ينال من الأجساد المتعبة، إلا إنه كان يصفي المعدن الكريم، فيزداد قوة وصلابة وتـمسكا بالدعوة العظيمة. وما أن انقضت أيام الحصار وأحس النبي صلى الله عليه وسلم أن بإمكانه استئناف دعوته حتى فقد عمه أبا طالب الحصن الحصين الذي كان يحوطه بكل أنواع الرعاية والحماية.. ولم تلبث خديجة أن مرضت، واشتد بها المرض.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانبها يمرّضها ويقوم على خدمتها ويقول لها: بالكره مني ما يجري عليك يا خديجة..
ويظل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب خديجة، يخفف عنها ويذكّرها بما وعدها الله به في الجنة من نعيم وما أعده لها من قصر من قصب لا نصب فيه ولا صخب حتى فاضت روحها بين يديه صلى الله عليه وسلم.

يا أخي المسلم.. ويا أختي المسلمة
إذا مررتم بالحجون في مكة فألقوا التحية على أمنا الكبرى.. على خديجة، المرأة العظيمة.. عظم الدعوة وعظم الرسالة.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب..).

مثلهن الأعلى
لقد تفردت خديجة بهذا الفضل.. ومن أجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، دائم الذكر لها والحنين إليها، يترحم عليها، ويتحدث بأيامها، ويبر صواحبها، ويتهلل لمن يراه من أهلها.
روى مسلم عن عائشة قالت: ما غرت على نساء النبي، إلا على خديجة، وإني لم أدركها. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ذبح الشاة.. فيقول: (أرسلوا بها إلى صدائق خديجة.. قالت فأغضبته يوما، فقلت: خديجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني رزقت حبها).. ومرة ، قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أبدلك الله خيرا منها. قال: ما أبدلني الله خيرا منها، وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء).
هذه هي خديجة الكبرى .. الداعية الأولى.. والمثل الأعلى لبناتها المسلمات السائرات على نهجها في موكب الدعوة. التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد، وأشار الراوي إلي السماء والأرض) ].
وإذا كان إلى جانب كل رجل عظيم امرأة يعتمد عليها في جهاده، وفي الوصول إلى أهدافه، فقد كانت خديجة تلك السيدة العظيمة التي ناصرت النبوة، وعاونت على رفع راية الإسلام، وجاهدت في سبيل الدعوة الإسلامية. لم تخذل زوجها يوما من الأيام، بل كانت الأولى في كل شيء، في سماحة الخلق، وجمال الطلعة، ووفاء الزوجة، وشرف النسب وكرم المحتد والإيمان الثابت والنفس المخلصة والقلب السليم ].
لقد كانت الحضارة الإسلامية التي أضاءت الدنيا وارتقت بالإنسان من وهدة التخلف إلى أرقى مستويات الرقي، ملفّعة بصبر خديجة البارة بأمتها، وبرسالة زوجها، لقد كانت حصيلة حبّ وأمانة، وتضحية ورصانة، وجلد وصبر، وكد وعمل ودفع للباطل وتأييد للحق[.

التعديل الأخير تم بواسطة محمد الرقيه ; 09-28-2013 الساعة 02:49 AM.


محمد الرقيه


رقم العضوية : 25937
الإنتساب : Dec 2011
المشاركات : 280
بمعدل : 0.28 يوميا
النقاط : 3
المستوى : محمد الرقيه is on a distinguished road

محمد الرقيه غير متواجد حالياً عرض البوم صور محمد الرقيه



  مشاركة رقم : 3  
كاتب الموضوع : محمد الرقيه المنتدى : منتدى السيره النبويه العطره
افتراضي رد: مع الرسول صلى الله عليه و سلم و خديجه رضي الله عنها في عام الحزن
قديم بتاريخ : 09-29-2013 الساعة : 12:39 AM


حياة السيده خديجه مع الرسول قبل البعثة:


امتدت هذه الفترة من زواجهما خمسة عشرة سنة، لكن للأسف أن هذه الفترة لم تتناولها أقلام الرواة ولم تتناقلها ألسنة المحدثين نظرا لعدم وجود أحداث بارزة يلتفتون إليها، لذلك فلم يصلنا عنها إلا اليسير.
لكن المتداول عن هذه الفترة أن السيدة خديجة وهبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حبها وعطفها ووقتها ومالها ولم تعرف بعد أنه سيكون نبي هذه الأمة، ومن الشواهد التي تؤكد ذلك برها وحبها وإكرامها لكل من يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما فعلته مع حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم حينما أصاب الناس قحط بعد زواجها من رسول الله، فأتتها حليمة السعدية زائرة فعادت من عندها ومعها من مال الطاهرة السيدة خديجة بعير يحمل الماء وأربعون رأسا من الغنم.
ووصل بر السيدة خديجة إلى أبعد من ذلك حيث كانت ثوبيه أول مرضعة للرسول صلى الله عليه وسلم تدخل على النبي الكريم بعد أن تزوج الطاهرة فكانت تكرمها و تصلها و فاء وكرما لزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم .ومن الشواهد أيضا أنها لما رأت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة وهبته إياه وكفلت كذلك ابن عمه علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ولم تأل جهدا في تربيتهم وخدمتهم، فكانت لهم خير أم، وأكمل الله سعادتها فرزقها منه بالولد فولدت القاسم وعبد الله وقد توفيا صغارا، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء. وسهرت أمنا الطاهرة على تربيتهم أجمعين بالإضافة إلى ابنتيها هند بنت أبي هالة وهالة بنت أبي هالة، فكانت لهم خير أم، هذه الأمة المجاهدة التي طلع من صلبها سيدة نساء أهل الجنة السيدة فاطمة الزهراء ومن تحتها سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، أم تربى في حضنها رجال نصروا الله ورسوله، وكأنها كانت تعدهم وتهيئهم ليحملوا الرسالة رفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الأمور التي تبين عمق حب السيدة خديجة لزوجها تخفيفها لهمومه ومواساته وتصبيره على ما ألم به من حوادث، لذلك كانت أول شخص يلتجأ إليه نبينا وحبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام وذلك لما لها من حكمة في معاملتها مع زوجها، وحسن رفقته ومعاشرته وصحبته، وهذا ما سنلمسه في الفترة الثانية التي ستبدأ بالبعثة النبوية.

بعد البعثة النبوية الشريفة:


وتبدأ هذه الفترة عندما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء للتعبد والخلوة فكانت السيدة خديجة تسهر على راحته وتتحمل عناء صعود الجبل لتزوده بالمؤونة، ثم ترجع إلى بيتها لتسهر على تربية أبنائها. ساندت حبيبها حبا فيه ويقينا في صدقه وإحساسا بأنه صاحب رسالة عظيمة.
ولذلك هرع إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس إلى غيرها، ذهب إلى الحضن الدافئ والقلب الرحيم ليحكي لها قصته مع جبريل عليه السلام حينما جاءه الحق وهو في غار حراء فقال: "زملوني زملوني" "فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة الخبر: لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق" [1]
ومن حكمة السيدة خديجة رضي الله عنها ورجاحة عقلها أنها أخذت النبي صلى الله عليه وسلم "وانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجه "يا بن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم؟" قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك انصرك نصرا مؤزرا". فخرجت السيدة الكريمة وهي تعلم طبيعة الطريق التي سوف تسلكها رفقة رسول الله ولم تترد بالرغم من علمها بخطورة هذه الطريق وهي المرأة الحسيبة الشريفة صاحبة المكانة والشرف في قريش، ولم يثنها كبر سنها عن الجهاد مع زوجها ومساندته ومؤازرته ومواساته بالمال والكلمة الطيبة التي تخفف عنه، فكانت تنشر الإسلام بين النساء وتصهر على حماية النبي صلى الله عليه وسلم لأن أعداء الإسلام كانوا يتربصون به.
هذه هي الطاهرة الزوجة الصالحة أنفقت مالها وجهدها ووقتها نصرة لله ورسوله وألمت بها عدة مصائب لم تنقص من عزيمتها، صبرت على هجرة ابنتها رقية، وطلاق ابنتيها رقية وأم كلثوم من ابني أبي لهب الذي أراد أن يكيد لرسول الله فأمر ابنيه أن يطلقاهما، وتحملت سنوات الحصار ثلاث سنوات في شعب أبي طالب عندما أعلنت قريش مقاطعتها للمسلمين، وتعرض عليها قرش أن تبقى في بيتها لأنها من أشراف قريش وتأبى ذلك وتقول لا أكون إلا حيث يكون المسلمون وتأكل معهم أوراق الأشجار وتجوع في آخر عمرها، وتتحمل كل أنواع الأذى وهي صاحبة المكانة والشرف والنسب والمنزلة العظيمة. ويفك الحصار وسنها قد تجاوز الأربعة والستين ويشتد عليها مرض الموت، ويبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحلة أخرى في الدعوة سيفقد فيها حبيبته بعدما أسست معه دعائم هذه الدعوة وأدت مهمتها على أكمل وجه وتترك النبي صلى الله عليه وسلم يكمل الطريق لكنه أبدا لم ينساها وظل وفيا لحبها إلى أن التحق بها إلى جوار ربه. وهنا سنودع الغالية ونتتبع شهادت على وفاء الرسول صلى الله عليه وسلم لحبها بعد وفاتها رضي الله عنها.

وفاء رسول الله لأمنا خديجة بعد وفاتها:


يشتد المرض بالسيدة خديجة ورسول الله صلى الله عليه وسلم حزين وهو يرى حبيبته في تلك الحال فيأتيه جبريل من السماء ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أوطعام أشراب، فإذا أتتك فأقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب" [2]
وماتت الطاهرة وعمه أبو طالب في عام واحد وسمي هذا العام الذي توفيا فيه بعام الحزن لشدة حزنه عليهما، وخاف الصحابة لشدة حزنه على فراقهما أن يحدث له حادث.
*ماتت حبيبته ولم يمت الحب في قلبه صلى الله عليه وسلم فقد ظل وفيا لها خمسة عشرة سنة وهناك شواهد كثيرة لا يتسع المقام لذكرها ومنها:
و أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ما لم يثن على غيرها وكانت أم المؤمنين عائشة تقول :"ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة"فربما قلت له : كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة !
فيقول : (( إنها كانت ، وكانت ، وكان لي منها ولد
[3]
وفي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: (اللهم هالة). قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش؟ حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها" [4]قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ "وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، عن عائشة قالت‏‏:‏‏ لما بعث أهل مكة في فداء أُسَرَائهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها؛ قالت‏‏:‏‏ فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال‏‏:‏‏ إن رأيتم أن تُطْلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالها، فافعلو ؛ فقالوا‏‏:‏‏ نعم يا رسول الله،فأطلقوه، وردوا عليها الذي لها" [5]

و بعد وفاة السيدة خديجة بأربع عشرة سنة يوم فتح مكة يرى امرأة عجوزا قادمة، فيترك الكل، ويجلس معها، ثم يخلع عباءته، فيفردها لها على الأرض ويجلس معها، ويتكلم معها ساعة... كل ذلك والسيدة عائشة تراقب ما يحدث من بعيد حتى انتهى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له السيدة عائشة: من هذه يا رسول الله؟ قال:' إنها صاحبة خديجة.. كانت تأتينا أيام خديجة'، فقالت السيدة عائشة: فيم كنتم تتحدثون يا رسول الله؟ فقال:' كنا نتذكر الأيام الخوالي' فغارت السيدة عائشة وقالت: أما زلت تذكر هذه العجوز، وقد واراها التراب، وقد أبدلك الله من هي خير منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:' لا والله ما أبدلني من هي خير منها، واستني حين منعني الناس، آمنت بي حين كذبني الناس.." [6]

‏يا لهذا الوفاء، عاش الحبيب على ذكراها، ولم يتزوج بعدها حتى مرت ثلاث سنوات، وكان يصل أهلها وأحبابها ويغدق عليهم بكرمه إكراما لها، ويتذكر شكل قلادة زوجته بعد هذه السنين ويرق قلبه. الحب ليس كلمة ينطق بها اللسان بل هي مواقف يشهد بها العيان.

فهنيئا لك يا سيدي يا رسول الله بهذه الجوهرة، وهنيئا لك أيتها السيدة العظيمة بحسن صحبتك لرسول الله، كنت حقا سكنه وموقع أنسه، سلام عليك لقد قمت بمهمتك على أكمل وجه، هنيئا لك أيتها الغالية كنت أول من آمن بالله وأول من ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول من سجد لله، أول من بشر بالجنة، أول من أدى الفرائض رفقة رسول الله، كنت مثالا للزوجة الصالحة الوفية التي تثبت زوجها على الحق وتعينه عليه.



وفاء الرسول للسيده خديجه بعد وفاتها



)) .
فصلَّى الله وسلَّم على أكرم الخلق ، وحافظ العهد .
فقد كان صلى الله عليه وسلَّم وفياً لخديجة في حياتها ، ووفياً لها بعد وفاتها ، فهو يذكر أعمالها وأخلاقها ، وأيامها وعهدها ، رضي الله تعالى عنها .
كيف لا ، وهي التي آثرته ورغبت فيه ، وهي أول من صدَّقه وآمن به ، وهي التي ثبَّتَتْ فؤاده وقوَّت عزيمته ، وكانت البلسم الشافي لآلامه وأحزانه .
هي التي واسته بمالها ، وهي التي رزق منها الولد ، وهي التي حفظت عهده ، وحافظت على بيته وولده ، وهي .. وهي ..
فنالت بسبب هذا الوفاء العظيم ما جاء في الحديث الشريف : (( بشِّروا خديجة ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب )) رواه البخاري .
وعند الطبراني من حديث فاطمة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ، أين أمي خديجة ؟ فقال : (( في بيت من قصب )) . قلت : أمن هذا القصب ؟ قال : (( لا ، من القصب المنظوم بالدرِّ واللؤلؤ والياقوت )) .
قال السُّهَيلي : (( النُّكْتة في قوله (( من قصب )) ولم يقل : من لؤلؤ : أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السَّبْق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها )) .
وقال ابن حجر : (( وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه ، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها ؛ إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن ، ولم يصدر منها ما يغضبه قط ، كما وقع لغيرها )) .
وقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاءها بوفاء أعظم منه ، فكان من وفائه لها :
1- الحزن الشديد على فراقها ، كما جاء عند الحاكم من حديث حبيب مولى عروة .
2- ومن وفائه صلى الله عليه وسلم لها : أنها كان يصرِّح بحبه لها حتى بعد وفاتها .
ففي حديث عائشة رضي الله عنها عند ابن حبان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إني رُزِقْتُ حبَّها )) يعني : خديجة .
3- الإكثار من ذكرها ، كما تقدم : (( إنها كانت وكانت )) يذكر ماذا ؟!.
إنه يذكر محاسنها : إيمانها وتصديقها ، وثباتها وتثبيتها ، إنه يذكر أخلاقها الفاضلة ، وعاداتها الجميلة ، والتزامها ، وأدبها ، واحترامها ، وحسن عشرتها ، إنه يذكر بيتها الهادئ ، وحياته الهانئة معها ، ويذكر ويذكر .






4- ومن وفائه صلى الله عليه وسلم لخديجة : أنه كان يَبَرُّ صديقاتها ومن يحبُّها ، ويهتمُّ بهنّ حتى بعد وفاتها ، يذبح الشاة ويقطّعها ثم يرسلها إليهن .
وكان يصل الواحدة منهنَّ بالهدايا المختلفة ، فقد أخرج ابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتِي بشيء قال : (( اذهبوا به إلى فلانة ، فإنها كانت صديقة لخديجة )) ، ولفظ الحاكم : (( اذهبوا به إلى فلانة ؛ فإنها كانت تحب خديجة )) وما ذاك إلا وفاء لخديجة ، وبراً بها ، وحباً لها ، وإحياء لذكراها الجميلة على قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم .
5- ومن وفائه لها : أنه أكرم امرأة زارته بعد وفاتها ؛ لصلتها بها ، وما ذاك إلا وفاء لعهدها .
أخرج ابن عبد البر من حديث عائشة قالت : جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها : (( من أنت؟ )) فقالت : أنا جثامة المزنية . قال : (( كيف حالكم ؟ كيف أنت بعدنا ؟ )) . قالت : بخير ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله .
فلما خرجت قلت : يا رسول الله ، تُقْبِلُ على هذه العجوز هذا الإقبال ؟! فقال : (( إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان )) .
وفي بعض الروايات أن هذه العجوز هي أم زفر ماشطة خديجة .
6- ومن وفائه لها : أن كان يذكر أيامها ، ويثني عليها ، ولا يرضى من أحد أن يتكلم عنها بمكروه .
أخرج أحمد من حديث عائشة قالت : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خديجة ، فأطنب في الثناء عليها ، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة ، فقلت : لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين . قالت : فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيُّراً لم أره تغيَّر عند شيء قط ... الحديث .
وكان يكثر من ذكرها ويبالغ فيه حتى قالت عائشة : (( كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة )) .


إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحسن أنت .. صلى الله عليه وسلم .. فتحى عطا منتدى الشريعه والحياه 2 10-28-2011 11:45 AM
عدل الرسول صلى الله عليه وسلم بنت القدس منتدى السيره النبويه العطره 1 09-18-2009 04:24 PM
زهد الرسول صلى الله عليه وسلم بنت القدس منتدى السيره النبويه العطره 2 08-09-2009 12:24 AM
وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه ابو يزن منتدى الشريعه والحياه 0 04-03-2009 05:04 AM
من وصايا الرسول ( صلى الله عليه و سلم) الخيال منتدى الشريعه والحياه 2 03-29-2009 12:34 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 10:50 AM.

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
Cars HD Wallpapers RSS Feeds - الاتصال بنا Cars HD Wallpapers الأرشيف ستايل من تصميم ابو راشد مشرف عام منتديات المودة www.mwadah.com لعرض معلومات الموقع في أليكسا الأعلى

IP